فخر الدين الرازي

135

المطالب العالية من العلم الإلهي

من سبب ، لأن التقدير هو تقدير كونه محتاجا إلى السبب ، ثم يعود التقسيم الأول في سببه ، والدور والتسلسل محالان ، فوجب الانتهاء « 1 » بالآخرة إلى وجود موجود غني عن السبب ، وذلك هو الموجود الواجب لذاته ، وهو المطلوب فظهر بهذا الكلام : أنا إذا فسرنا الواجب والممكن بهذا التفسير ، سقطت عنا تلك السؤالات ، وصار الكلام في غاية الاختصار ، وكان إيراد الحجة على هذا الوجه أولى . ولقائل أن يقول : إن المباحث العقلية ، لا تختلف باختلاف الألفاظ والعبارات . فنقول : هب أنكم فسرتم الواجب لذاته بما يكون غنيا في وجوده عن السبب المنفصل ، إلا أنه يقال : لم لا يجوز أن يقال : إن هذا الوجود الغني في وجوده عن السبب تكون ماهيته وحقيقته قابلة للعدم وللوجود قبولا على التساوي ، إلا أنه ترجح وجوده على عدمه ، لا لمرجح أصلا لا لذاته ولا لغيره ؟ وأيضا : لم لا يجوز أن يقال : إن تلك الحقيقة ، وإن كانت قابلة للعدم إلا أن الوجود بها أولى ، فلأجل حصول هذه الأولوية يستغنى عن المؤثر المنفصل ؟ فيثبت بما ذكرنا : أنه لا يمكن الجزم بوجود موجود لا تقبل حقيقته العدم البتة إلا بتقدير تلك المقدمات . واعلم أن المباحث اللفظية لا تدفع الحقائق العقلية ، وإنما يكون تأثيرها في انتقال البحث من مقام إلى مقام آخر ، وذلك قليل الفائدة .

--> ( 1 ) لذاتها بالآخر ( س ) .